عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

33

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

جاز للأنبياء من المعجزات ، جاز للأولياء مثلها من الكرامات ، بشرط عدم التحدّى ، ولا يرد على ذلك القرآن للزومه التحدي ، ولا يصحّ قول من يقول : إن ذلك يؤدّى إلى الالتباس بين الكرامات والمعجزات ، لأن المعجزة يجب على النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم أن يتحدّى بها ويظهرها ؛ والكرامة يجب على الولىّ أن يخفيها ويسترها ، إلا عند الضرورة ، أو إذن ، أو حال غالب لا يكون له فيه اختيار ، أو لتقوية يقين بعض المريدين ، كما فعل بعضهم ، غرف عسلا من الجوّ ووضعه في فم مريد له * وروى أن رجلا أرى غيره الكعبة من بلاد بعيدة . وآخر أرى بعض المنكرين الكعبة يطوف بها ، وقد سمعنا سماعا محققا أن جماعة منهم شوهدت الكعبة تطوف بهم طوافا محققا . ورأيت بعضا ممن شاهد ذلك من الثقات الأتقياء ، بل من السادات العلماء ، وغير ذلك مما يطول ذكره ، وما ذهب إليه الإمام أبو إسحاق الإسفراينى رحمه اللّه تعالى من إثبات بعض الكرامات دون بعض ، فهو مخالف لمذهب الجمهور الصحيح المشهور . وأما وقوع ذلك نقلا ، أعنى ظهور الكرامات ، فقد جاء في القرآن وفي الأخبار والآثار بالإسناد ما يخرج عن الحصر والتعداد * فمن ذلك في القرآن ، ما أخبر اللّه تعالى عن مريم بنت عمران رضي اللّه تعالى عنها في قوله عزّ وجلّ ( كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً ، قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا ؟ قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) * وقوله سبحانه وتعالى لمريم ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ) وكان في غير أوان الرطب كما جاء في التفسير . * ومن ذلك ما أخبر اللّه عزّ وجلّ من العجائب على يد الخضر عليه الصلاة والسلام مع موسى النبي صلّى اللّه عليه وسلم * وكذلك قصة ذي القرنين رضوان اللّه عليه ، وتمكين اللّه سبحانه وتعالى له ما لم يمكنه لغيره * وكذلك قصة أهل الكهف رضي اللّه تعالى عنهم ، والأعاجيب التي ظهرت من كلام الكلب معهم وغير ذلك * وكذلك قصة آصف بن برخيا رضى اللّه تعالى عنه مع سليمان صلّى اللّه عليه وسلم في عرش بلقيس في قوله تعالى ( قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) وكلّ هؤلاء المذكورين ليسوا بأنبياء * ومن ذلك في الأخبار ، الحديث الصحيح المشهور في الصحيحين ، حديث جريج الراهب الذي كلمه طفل في المهد حين قال له : يا غلام من أبوك ؟ فقال : فلان الراعي .